الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
104
مختصر الامثل
« وَاللَّهُ لَايُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ » . « مختال » : من مادة « خيال » بمعنى متكبر ، لأنّ التكبر من التخيّل ، أي من تخيّل الإنسان الفضل لنفسه ، وتصوره أنّه أعلى من الآخرين ؛ و « فخور » : صيغة مبالغة من مادة « فخر » بمعنى الشخص الذي يفتخر كثيراً على الآخرين . والشخص الوحيد الذي يبتلى بهذه الحالات هو المغرور الذي أسكرته النعم ، وهذه المصائب والآفات بإمكانها أن توقظه عن هذا السكر والغفلة وتهديه إلى سير التكامل . ومن ملاحظة ما تقدم أعلاه فإنّ المؤمنين عندما يرزقون النعم من قبل اللَّه سبحانه فإنّهم يعتبرون أنفسهم مؤتمنين عليها ، ولا يأسفون على فقدانها وفواتها ، ولا يغفلون ويسكرون بوجودها . وفي آخر آية مورد البحث نلاحظ توضيحاً وتفسيراً لما جاء في الآيات السابقة ، والذي يوضّح حقيقة الإنسان المختال الفخور حيث يقول عنه تعالى : « الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ » . نعم ، إنّ الإنشداد العميق لزخارف الدنيا ينتج التكبر والغرور ، ولازم التكبر والغرور هو البخل ودعوة الآخرين للبخل ، أمّا البخل فلأنّ التكبر والغرور كثيراً ما يكون بسبب ثراء الإنسان الذي يدفعه إلى أن يحرص عليه ، وبالتالي يبخل في إنفاقه ، ومن هنا فإنّ لازمة الغرور والتكبر هو البخل . أمّا دعوة الآخرين إلى البخل ، فلأنّ سخاء الآخرين سيفضح غيرهم من البخلاء ، هذا أوّلًا ، والثاني أنّ البخيل يحبّ البخل ، لذا فإنّه يدعو للشيء الذي يرغب فيه . ولكي لا يتصور أنّ تأكيد اللَّه سبحانه على الإنفاق وترك البخل ، أو كما عبّرت عنه الآيات السابقة ب ( القرض للَّه ) مصدره احتياج ذاته المقدسة ، فإنّه يقول في نهاية الآية : « وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ » . بل نحن كلّنا محتاجون إليه وهو الغني عنّا جميعاً ، لأنّ جميع خزائن الوجود عنده وتحت قبضته ، ولأنّه جامع لصفات الكمال فإنّه يستحق كل شكر وثناء . لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 )